RSS
ملاحظة
21 ديسمبر

خواطر قرآنية ..

أولاً )

من الأساليب الأخّاذة للقرآن .. تكرار  شروط ووعود {إن تَتَّقُواْ اللّهَ .. يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}, {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ .. فَهُوَ حَسْبُهُ}, {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ .. يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} .. حقق الشرط يأتي الوعد , ومن أصدق من الله قيلاً ؟ , وهناك أسلوب آخر عبقري غير مباشر , عبر ذكر سير الذين من قبلنا , ماذا فعلوا وما جزاؤهم, فإن أردنا نفس النتائج فلنفعل نفس الفعل, وإذا أردنا الخلاص من تلك النتائج فلنهرب من الأفعال , من أمثلة الأولى يوسف -عليه السلام-, حينما ذكر الله لنا من أعاجيب قصته التضحية بالحرية للهروب من الشهوات {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فأجاب دعاءه {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ… تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} , وأما من الجهة المقابلة فتقف سورة (الهمزة) حينما يبدأ الوصف القرآني للإنسان الساخر بشعائر الله, الذي انغمس في حياته وشهواته وأمواله حتى نسي لحظة فراقها, فحكم الله عليه {لينبذنّ في الحطمة}

أولاً ونصف )
أجمعنا يوماً ما في مجلس طالب علم بأننا -وللأسف الشديد- حينما نقرأ كتاباً ما ونمر بإقتباس من كتاب الله عز وجل حتى نقفز بأعيننا من قوس أول الآية حتى نصل للقوس الأخير ونقرأ ما بعدها, وفي أحسن حالاتنا نمر على الآيات بسرعة من يقرأ جريدة والله المستعان , ولعل العلة في ذلك أننا مررنا بها غير مرة, إلا أن هذا مسوغٌ باطل, بل القراءة المثالية للآيات هي إكتشاف أبعادها الجديدة وربطها بالقضايا من حولنا وهكذا نقرأ نكتشف في الآية كل مرة شيئاً جديداً وعبرة وفائدة, ووهذا من كمال الإيمان بأن كتاب الله هو المعين الذي لا يمكن أن ينضب,, قد تجد هنا ما يدعوك للتجديد !

ثانياً وثالثاً )

من رام الكمال فمن العبث أن يتوجه لغير الكاملين في ظلّ وجود الكامل,, ورغم أن الهدف من إرسال الأنبياء هو دعوة الناس لتوحيد الله عز وجل إلا أن هناك أمور أخرى يمكننا الأستفادة من الأنبياء بها, من ضمنها تلك الدروس التي يقدمونها لنا في فنّ التعامل مع الله عز وجل,, حينما يقول إبراهيم -عليه السلام- {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ, وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فنسب لله الخير من هداية ورزق, ونسب المرض لنفسه, وقول موسى -عليه السلام- {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} اعترف بأن الله نزّل الخير ولكنه إليه فقير,, ومن العبر التي قدمها لنا كتاب الله عز وجل عن الأنبياء هي قصص الإستجابة لدعواتهم في سورة الأنبياء,, حيث ذكر الله لنا كيف أجاب دعوات الأنبياء ولماذا أجابها,, نأخذ بعضها بإيجاز :

  1. {وَأَيُّوبَ.. إِذْ نَادَى رَبَّهُ : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ, وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
    كلما قرأتها أحسست بعمقٍ إيماني في لفظ (نادى),, أحسها من مكان بعيد وتذكرني بالعمق الشديد لعبارة {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} وكما لا يخفاكم فإن (هنا) للقريب و(هناك) للبعيد و(هنالك) للأبعد مع عمق,, وتأدب مدرسة الصبر أيوب -عليه السلام- مع الله في نسبة الضر لنفسه ولم يعلقها بالله عز وجل  يستحقّ الإشارة أيضاً !

  2. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ, وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ.. رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا, وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}
    الفاء في المطلع تعقيب لإجابة الله المباشرة لدعاء أيوب بعد أن جلس في إبتلائه سنين عدداً يستحي من أن يدعوا الله وقد وهبه الكثير من النعم وأخذ واحدة وهي الصحة,, وما أدراكم ما أيوب,, الملهم الأول لكل المصابين والمكسورين .. وفورية الإجابة دليل الفورية في المبادرة لطاعة الله أولاً,, ومن أطاع الله استجاب عز وجلّ له,, {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} ,, تُختم الآية بصفة عظيمة لأيوب -عليه السلام- وأهله على صيغة الجمع ونفهم منها فضل المصابرة للطاعة {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

  3. {وَإِسْمَاعِيلَ, وَإِدْرِيسَ, وَذَا الْكِفْلِ.. كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ}
    عليهم السلام جميعاً ,, تُختم الآية هنا أيضاً بهذه الصفة الجليلة, التي تجلّت في إسماعيل -عليه السلام- بصبره على بيع كل لذاته بأمر من الله عز وجل لأبيه بأن يذبحه,, والصبر أكبر من مجرد الإنتظار,, هناك (الصبر في الطاعات) و(الصبر عن المعاصي) وخلفَ كلّ حق صبراً وجب علينا التواصي به !

  4. {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا.. إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ}
    الصالح مصلح في ذاته .. فيتبع كل خير ويجتنب كل شر,, وهي صفة أوردها الله بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل -عليهم السلام-

  5. {وَذَا النُّونِ.. إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا, فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ, فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن : “لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ .. إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”}
    بعض الآيات تحمل في طياتها مشاعر وجدانية تتدفق بمجرد التأمل فيها,, تبدأ تشكّل الصورة من (الظلمات) التي كان يعيشها يونس -عليه السلام- وتشعرك بالعزلة والخلوة التي جاءته,, يتكرر (النداء) ولكن هنا في قمة الإنكسار والإعتراف بالذنب,, الإعتراف بالذنب والندم عليه,, أعيد : الإعتراف بالذنب والندم عليه !

  6. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ.. وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}
    لايتلوا الإنكسار والتبتّل إلا النجاة من الهمّ والغم التي يجذبها التكبّر والغرور ولو على النفس ذاتها,, ويخبرنا الله عز وجل بأن هذه سنة دائمة لكل من فعل السبب ستأتيه النتيجة (وكذلك ننجي المؤمنين) .. على ذكر المؤمنين ,, هل نحن حقاً مؤمنون ؟!

  7. {وَزَكَرِيَّا.. إِذْ نَادَى رَبَّهُ : “رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ”}
    في هذا النداء الأخير ترى أسلوباً جذاباً في الدعاء الذي يحمل في طياته سبب الدعاء أصلاً ,, وكالعادة السليمة ,, ينتقي صفة الله التي تناسب سياق الدعاء .

  8. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
     وشاء الله بهذه المعجزة,, والثمن كان غالياً,, إنها المسارعة في الخير ,, المسارعة وليس الفعل فقط ,, والعبادة والدعاء رغبةً فيما عند الله من الرحمة ورهباً مما عنده من العذاب وهذه منزلة رفيعة,, وخُتمتِ الآيات بصفة لا تقلّ جلالاً عن ما سبق وهي الخشوع,, وكما عرفها بعض العلماء بالذلة والتواضع في العبادة,,

    آخراً وأخيراً )

    كما تعلم فإن “كل” دعوة تخرج من القلب تمرّ بتقاطع ثلاثة طرق لا رابع لهم: إما أن يستجيب الله له (يا رب إشف أمي.. فشفاها) ، أو يرفع الله به بلاء كان قد سيقع (يارب اشف أمي.. وكان سيتدهور وضعها فما حصل) ، أو يدخره الله له يوم القيامة (يراها العبد جبالاً من الحسنات فيتمنى أن الله لم يستجب لأي أي دعوة) ، فالدعاء كله خير، ولا تيأس ولا تقنط، الله عز وجل أدرى بما يصلحك وأدرى بما ينفعك، فسلم لله فيما أراد !

خواطر قرآنية حول الدعاء

Advertisements
 
4 تعليقات

Posted by في 21 ديسمبر 2012 in خواطر

 

4 responses to “خواطر قرآنية حول الدعاء

  1. م.محمد باعلــوي (@mniiino)

    2 مايو 2012 at 2:14 ص

    تذكيراتً حسان ~ تشعر بهزات توعوية .بوركت 🙂

     
  2. غير معروف

    26 ديسمبر 2012 at 6:51 م

    جزاك الله خير يا شيخ

     
  3. مريم

    16 نوفمبر 2013 at 4:32 م

    مما يؤسف أنك دخلت وُلدت متأخرًا في عالم التدوين وهذا مايجعل السطور الطويلة لاتُمر كثيرًا !
    لكن يكفي أنك تُثري فضاء المحتوى العربي بتدويناتك

    استوقفتي لفظ ( أسلوب عبقري ) هل يصح إطلاقها على كلام الله ؟

     

أترك بصمة

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: