RSS

Monthly Archives: مايو 2013

مشاهدُ سوريّة ..

رائحة الدم، كانت تخنق طفولة مي حتى الموت.. تهدهد جسد أمها ذات صباح وتنادي: “ماما، فين بابا؟ هلّا كمل اسبوع وما رجع؟ ماما ليه ما بتردي علي من يومين؟ من فين الدم اللي على راسك؟”


* في مكان ما، ووقت ما *

حاكم عبري لعين، تصل له ورقة قرار عبر قصر الحكم، عفواً، أعني عبر السفارة الأجنبية، موقعة باسمه من “الجحر الأبيض” في تلك الجزيرة اللعينة التي تقبع خلف المحيط الأطلسي، قرارٌ بمنع وإيقاف وسحل كل أشكال وأحجام وألوان المعونات للسوريين، واعتقال كل من تسول له -لاقدرالله- نفسه نصرة إخوانه، ولأن هذا الحاكم لا يعرف وزراءه أصلاً، مرر القرار وبكل خشوع لولي أمره الأسود العم سام، فهو موعود بليلةٍ حمراء، هكذا خلفاء العصر!


* في نفس اللحظة أيضاً *

أبٌ لابنٍ واحد، لكنه الآن متورّط بأربعة أيتام من حيّه الصغير، فقدوا والديهم في القصف، استيقظوا هذا اليوم في بيتهم الجديد (رصيف شارع الإتحاد) يهتف أحدهم فرحاً “عمّو شوف قطة ميته، ضمنّا الغدا اليوم” أغلقت المرارة فم الأب، فحتى القطط لم يعد في استطاعتهم تناولها لانقطاع الغاز !


* في تمام ١٠:٤٥ صباحاً *

سليمان، جندي في اللواء السابع للجيش الحر، يتمتم ببضع دعوات تتسابق مع عبراته، من على رأس جبل الزاوية غرب سوريا، نسيم الهواء يداعب خصلات شعره المسدولة على وجهه، الذي تلطخ بدماء المعركة الأخيرة البارحة، حيث فجّر دبّابة وقتل ٨ كائنات بقلوب قرده وعقول حمير وأشكال بشرٍ ضلّت طريقها نحو الإنسانية، يرفع يديه عالياً بعد أداء صلاة الضحى وينادي (ياالله، إن يهلك هذا اللواء عادت الشام لأعداءك، يارب إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي، لكن نصرك أوسع لنا، تكفى، يامن أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، أنصرنا عليهم عاجلاً غير آجل)، يخفض يديه، ليرفع بهما رشاشه الكلاشينكوف، يميط اللثام عن وجهه الوضيء، ينظر للسماء مبتسماً ثقةً بالله، ثم يلقي نظرة حادّة من على قمّة النبي أيوب على قطعان النظام الضالة، إنه هو، سليمان الأحمد خرّيج جامعة الإمام في الرياض!


* المشهد قبل الأخير، وفي ذات الصباح*

شاب يبدأ بابتلاع وجباته اليوميّة، وجاره السوري (نام البارحة جائعاً.. ثم لم يستيقظ)، كل همومه الآن تنحصر في (كيف أكسب مزيداً من المال، متى سنخرج مع الأصدقاء للنزهة، سأتسكّع قليلاً بين صفحات الإنترنت) يحمل جوّاله المتطور، يتصفح منه أحد تطبيقات (شبكات التفاصل الإجتماعية) ، وتمر عليه هذه التدوينة, قلبه لازال مهيّجاً بعد لقطات من سوريا (طفلٌ يناديه ويذرف الدم، وشابٌ يصرخ بحرقة على قلبه الأصم “أنقذوناا”) , ويجول ببصره الآن على هذا السطر، ويظن أنها تعني شخصاً آخر على وجه الأرض، النقطة الأهم: لم يتبرع حسن النيّة بأي ريال لسوريا، رغم ورعه البارد، وينساهم كل مرة في سجوده !!


* المشهد الأخير *

تضم الأم ابناءها الثلاثة، كعادتها عند القصف، بعد دقائق سيكملون ليلتين بلا طعام، وقد كانوا قبل سنتين فقط يأكلون كما يأكل صاحبنا الشاب في المشهد السابق، تنادي أكبرهم ذا السنوات العشر (حمّود، فيك تروح للخبّاز أبوأحمد وتجيب منّو باقي خبز امبارح؟) ينطلق الإبن، بين أشلاء البيوت والبشر، تجري من تحته أنهار الدم الساخن لرجل فقدته صغيرته فتشردت، وطفلٍ فقدته جدته، يطلّ الموت على سيّدنا الصغير حمّود من كل نافذة، يحاول اقتناصه كأصغر هدف للتدريب، لم يجد أبوأحمد، لقد كان بيته ساجداً عليه، إرتعب قلبه كثيراً، وفي طريق العودة، كاد صوت القذائف يخلع قلبه، لقد كان من جهة يعرفها جيداً، حاول الوصول لبيته لكنه لم يستطع، فبيته صار ككل البيوت.. بقايا بيت !

ولا زال صاحبنا الشاب تائهاً في مواقع الإنترنت !

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 6 مايو 2013 in خواطر

 
 
%d مدونون معجبون بهذه: