RSS

نار مبتعث.. رواية قصيرة جداً

24 نوفمبر

 بينما الثلج يهطل، فُتحت بوابة مشفى بوسطن الأمريكي، لتخرج منها سيارة سوداء تحمل العلم الدبلوماسي الأمريكي، ما لبثت أن توقفت أمام حشد الصحفيين الغفير، ترجّل منها المتحدث بإسم وزارة الصحة الأمريكية كولن ماكين واتجه للمايكرفونات قائلاً “صحّة رئيس الإستخبارات الإسرائيلي شيمون إيديعوت مستقرة وسيغادر المشفى خلال أسبوعين“!
***
تأمل يا مجاهد الخبر جيداً، فريق شيمون يرافقه في المشفى، لاشك بأن الوثائق معهم، هذه فرصتنا” قال معاذ عبارته هذه لصديقه المبتعث وهو يريه الصحف الإخبارية أمامه، ألقى مجاهد نظرة حادة على صورة شيمون وقفز لحاسبه المحمول وراحت أصابعه تهطل على لوحة المفاتيح كأمطار حزيران، وأخذ يتمتم قليلاً وهو يقلب عينيه على الشاشة، بينما مجاهد يتأمل صورة لفريق التمريض في المشفى، إذ صرخ فجأة “وجدتها، شاهد الممرض في الزاوية، ألا يشبهك تماماً؟“.. لمعت الفكرة في عينيهما.. وحينها توقف الكلام.. ليبدأ العمل.. بأقصى سرعة، وسرّية!
***
أصدر المصعد طنّةً معلناً وصول شخصٍ للدور الثالث في مستشفى بوسطن، كان الكمّام يخفي فماً مرتبكاً مما قد يحدث.. لو اكتشف أحدٌ بأن من يرونه زميلهم الممرض.. ليس سوى معاذ أتى لاستخلاص ملفّات بالغة الخطورة من جناح الدبلوماسي في طرف الدور الثالث، حيث يقبع رئيس الإستخبارات الإسرائيلي شيمون إيديعوت وفريقه، وصل معاذ متنكراً لأرشيف الملفّات، وألقى عليه مدير الإرشيف تحية الصباح، سحب معاذ نفسه وبيده ملفات شيمون كأنه لم ينتبه للتحية، اتجه معاذ للجناح المشدد حمايته، وصل لمدخل القسم، طلب العساكر بطاقة معاذ، فأخرج بطاقة الممرض المحبوس عند اصدقائه فمررها العسكري بجهاز غريب، ثم ألقى نظرةً تفحصية على معاذ وقال بتهكم (كأنك تغيرت اليوم؟) فردّ معاذ بابتسامة مجاملة صفراء تجاوز أثناءها العسكري والمدخل، بقي أمامه باب الجناح، كانت الساعة 8:30 صباحاً ولم يكن مراقباً، الوصول لشيمون أسهل بكثير مما كان يظن، وصل عند باب الجناح، تسارع نبضه وقفزت الأسئلة أمامه (ماذا لو لم يحدث ما خططت له؟) أدار المقبض بهدوء وفتح الباب، صرير الباب كان كنباح كلب الحراسة أفزع الحارسين الشخصيين في صالة الجناح أمام باب غرفة النوم، تظاهر معاذ بانشغاله بكتابة شيء في الملف بيده حتى يتجاوز الحارسين، ويتفاهم مع شيمون بطريقته الخاصة قبل الساعة 11 صباحا، حيث رحلة معاذ لمغادرة الولايات المتحدة الأمريكية، بالغنائم!

***
كان شيمون جالساً على سريره يبحث بعض الشؤون مع من على يساره، وعن يمينه يتصاعد شخير شخصٍ نائم، لم يبدُ في الغرفة سواهما حتى ظهر الممرض من خلف الباب، دخل بصمت، عيناه لا تزالان في الملف الطبي الذي في يده ويده تعبث بالقلم في أوراقه، قاطع جليس شيمون حبل أفكار معاذ حين سأل: (ليس هذا الوقت المتفق عليه!) انكمش قلب معاذ للحظات ثم قال: (تعقيم الغرفة!) وأخرج بخاخاً صغيراً عليه رموز طبية تعقيمية، وأخذ يبخّ في الغرفة بشكل عشوائي، حاول بقدر استطاعته أن يوصل الرذاذ لرئة الموجودين حتى يخدرهم بخاخ التخدير هذا، دقيقة صعبة مرت على معاذ كأنها سنة، (ماذا لو لم يتخدروا؟ كيف سأخرج من هذه الورطة!) أمسك جليس شيمون بيد الممرض وبخّ عليه معاذ بخة ثم تظاهر بأنها بخّها بالخطأ، عطس جليس شيمون ثم جلس، كان شيمون غطّ في نوم عميق، استغرق البخاخ دقيقتين ونصف ليظهر مفعوله الذي لن يدوم سوى ساعة، فجأة ظهر شخصٌ أسمر من حمّام الغرفة، تظاهر معاذ بأنه يكتب تقريراً، لكن ذلك الخارج من دورة المياه شك في الوضع فوقف عند باب الغرفة المغلقة وسأل معاذ: (لماذا أنت هنا؟ لماذا تقتحم الغرفة وهم نائمون؟)

***
 تظاهر معاذ باللامبالاة وهو يقترب لذلك الأسمر، اقترب كثيراً منه، رفع الورقة بيده ليريها له وبيده الأخرى قلمه الحديدي، أشار لذلك الأسمر بأن هذا موعد تعقيم الغرفة وغرس القلم الحديدي في عنقه، صعق الأسمر لهول الحدث وحاول الصراخ لولا أن حنجرته خائرة القوى، وفي طريق سقوطه على الأرض تمكن من ضرب الباب، كتم معاذ على أنفاس ذلك الأسمر وهو مندهش من نفسه، لم يأتِ ليقتل، بل ليأخذ بعض الوثائق، تطورت الأحداث بشكل متسارع، تأكد معاذ بأن الكاميرا الوحيدة في الغرفة لم تلتقط مشهد القتل لأن المساحة أمام الباب غير داخلة في اللقطة، فُح باب الغرفة وانقبض معه قلب معاذ، دخل الحارسان، لم يكن معاذ يخطط لمصارعة حرة أيضاً لكنه وجد رجله تضرب بشكل أفقي معدة الحارس الضخم ليرتطم جسده بالجدار، لم يترك لهم معاذ مجرد فرصة لالتقاط النفس وفِهم مالذي جرى في الغرفة، لم يسقط الضخم على الأرض إلا والقلم الحديدي قد استقر في بطن الحارس الآخر، ألقى معاذ علبة البخاخ المفتوحة على صدر الضخم وهو يرفع اللاسلكي, لكن معاذ لم يترك له فرصة فعاجله بلكمة كسرت فكّه, فحمل الضخم مسدسه وصوبه لمعاذ, وكان محصورا في زاوية الغرفة على بعد مترين منه، رأى معاذ الموت أمامه، تمتم بالشهادتين وأغمض عينيه، ثم لم يحدث شيء، فتح معاذ عينه ليرى الضخم وهو يتهاوى على الأرض بسبب بخاخ التخدير الذي انسكب على بدلته حين رماه به، إلتقط معاذ أنفاسه وراح يقلب بصره في الغرفة، لا شك أن الكاميرا التقطت شيئاً من الأحداث التي وقعت قبل قليل، أغلق الباب جيداً، وبدأت المرحلة الأصعب، بدأت المهمة الآن !

***
لا يخترق السكون العجيب إلا صوت تصفح الأوراق الأصلية والخرائط في ذلك الملف الضخم الذي عثر عليه معاذ أخيراً، بقيت ساعة على موعد رحلته، و12 دقيقة على إفاقة الحفلة الدبلوماسية النائمة، صُعق وتوقف تنفسه للحظات حين أدار رأسه باتجاه التلفاز، ليجد خبراً عاجلاً عن “أعمال شغب في مشفى بوسطن“، أخرج اللاسلكي وهتف لزميله مجاهد “الملف بيدي وسيستيقظ النائمون بعد 11 دقيقة، ملابسي عليها قطرات دم، مالحل؟” صمت لبضع ثوانٍ ثم تملكته الدهشة بسماع الطرف الآخر، لم يكن صديقه مجاهد أبداً ! يا للمصائب لا تأتي فرادى، مسح ما استطاع من لباسه، واستعاد هدوءه، ووضع الأوراق في الملف الطبّي ليبدو ممرضاً مرةً أخرى، لولا توكله على الله لفقد كل الأمل بالخروج، فالمشفى علم بالأحداث ولن يتركه بالتأكيد، خرج من الغرفة للجناح ليصدم بأن بابها الذي يطل على الممر مفتوحاً، يا للنسيان، استل كمّامةً وخرج، قلبه مستعدٌّ لأي ردة فعل، لأي هجوم، لأي اقتحام، لكن أياً من ذلك لم يحدث، مع كل خطوة لخارج المشفى كانت شكوكه تتضاعف حول شكل الكمين الذي يُعدّ له، نزل للدور الأرضي، وهناك خلع قلبه دوي صافرات الإنذار، شاهد الموظفين يركضون باتجاه مخرج الطوارئ فدسّ نفسه بينهم وركض، كلهم خائفون من الإرهابي، الذي كان بينهم في قلق هو الآخر من افتضاح أمره، وصلوا لباحة المشفى ولا زال حراً طليقاً، لكنه هناك وجد فرقاً كاملة من الشرطة في حالة استنفار، دبّ الهلع في قلبه برهة، غير أنه استنشق إيماناً بالله وبقضاءه جعله يسير واثقاً بين الجموع التي ينظمهم ويفتشهم رجال الشرطة، اتجه جمع الموظفين للبوابة الخارجية، بوابة مشفى بوسطن التي غادرت منها السيارة الفاخرة أول مرة، ومرّ معاذ بين الممرضين وغادر المشفى، حاول الصحفيون توجيه أسئلتهم إليه لكنه تحاشى أي كاميرا، وفي أثناء خروجه من هذا الجو المتكهرب سمع صحفياً يسأل طبيباً في المشفى سؤالاً جعله يفغر فاه لآخر درجة، (هل رأيت الجاني وهو يعتدي على إدارة الرقابة في المشفى؟) فأرهف معاذ سمعه وفغر فاه وتحوّل كلّه لأذنٍ صاغية لإجابة الطبيب وهو يقول: (نعم، كان حنطياً نحيلاً إقتحم الإدارة وأثار فيها الشغب وقطع سلك الكهرب الأساسي لأجهزت المراقبة بالمشفى، ثم قبض عليه ويحكى بأنه تم تحويله لسجن كولورادو) !

***
مرّ يوم صعب ثقيل، مليء بالإنهاك والإتصالات لإنقاذ مجاهد من السجن، طارت طيارته وذهب موعده، كانت الأسئلة تغطي عين معاذ: (لماذا فعلها مجاهد؟ وبماذا سيعاقب؟ وهل محى كل الأدلة خلفي هكذا؟ كيف عاش كلّ من كان في الجناح بالأمس؟ حتى ذلك الذي طعنته يتلقى العلاج؟)، أعلنت محكمة ولاية كولورادو أن محاكمة المدعو مجاهد بعد يومين، وبسبب محامٍ محترفٍ عرف ثغور قوانين ولاية كولورادو، أظهر أن مجاهد كان فاقداً لوعيه وتحت تأثير المخدرات، وأنه لا توجد أدنى علاقة تربطه بحادثة الإعتداء على شيمون في الجناح الدبلوماسي، حُكم على مجاهد بسجن شهر وتعويض سلك الكهرب لإدارة المراقبة!
***
استلقى ملفّ الوثائق هامداً على طاولة المجاهدين، على يمينه معاذ، يرسل ابتسامته لمجاهد إبتسامةً عميقة، إبتسامة إنجاز.. وبدأت تلك اللحظة أول فصول الملحمة الكبرى!

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في 24 نوفمبر 2013 in خواطر

 

أترك بصمة

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: