RSS

مشاهدُ سوريّة ..

رائحة الدم، كانت تخنق طفولة مي حتى الموت.. تهدهد جسد أمها ذات صباح وتنادي: “ماما، فين بابا؟ هلّا كمل اسبوع وما رجع؟ ماما ليه ما بتردي علي من يومين؟ من فين الدم اللي على راسك؟”


* في مكان ما، ووقت ما *

حاكم عبري لعين، تصل له ورقة قرار عبر قصر الحكم، عفواً، أعني عبر السفارة الأجنبية، موقعة باسمه من “الجحر الأبيض” في تلك الجزيرة اللعينة التي تقبع خلف المحيط الأطلسي، قرارٌ بمنع وإيقاف وسحل كل أشكال وأحجام وألوان المعونات للسوريين، واعتقال كل من تسول له -لاقدرالله- نفسه نصرة إخوانه، ولأن هذا الحاكم لا يعرف وزراءه أصلاً، مرر القرار وبكل خشوع لولي أمره الأسود العم سام، فهو موعود بليلةٍ حمراء، هكذا خلفاء العصر!


* في نفس اللحظة أيضاً *

أبٌ لابنٍ واحد، لكنه الآن متورّط بأربعة أيتام من حيّه الصغير، فقدوا والديهم في القصف، استيقظوا هذا اليوم في بيتهم الجديد (رصيف شارع الإتحاد) يهتف أحدهم فرحاً “عمّو شوف قطة ميته، ضمنّا الغدا اليوم” أغلقت المرارة فم الأب، فحتى القطط لم يعد في استطاعتهم تناولها لانقطاع الغاز !


* في تمام ١٠:٤٥ صباحاً *

سليمان، جندي في اللواء السابع للجيش الحر، يتمتم ببضع دعوات تتسابق مع عبراته، من على رأس جبل الزاوية غرب سوريا، نسيم الهواء يداعب خصلات شعره المسدولة على وجهه، الذي تلطخ بدماء المعركة الأخيرة البارحة، حيث فجّر دبّابة وقتل ٨ كائنات بقلوب قرده وعقول حمير وأشكال بشرٍ ضلّت طريقها نحو الإنسانية، يرفع يديه عالياً بعد أداء صلاة الضحى وينادي (ياالله، إن يهلك هذا اللواء عادت الشام لأعداءك، يارب إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي، لكن نصرك أوسع لنا، تكفى، يامن أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، أنصرنا عليهم عاجلاً غير آجل)، يخفض يديه، ليرفع بهما رشاشه الكلاشينكوف، يميط اللثام عن وجهه الوضيء، ينظر للسماء مبتسماً ثقةً بالله، ثم يلقي نظرة حادّة من على قمّة النبي أيوب على قطعان النظام الضالة، إنه هو، سليمان الأحمد خرّيج جامعة الإمام في الرياض!


* المشهد قبل الأخير، وفي ذات الصباح*

شاب يبدأ بابتلاع وجباته اليوميّة، وجاره السوري (نام البارحة جائعاً.. ثم لم يستيقظ)، كل همومه الآن تنحصر في (كيف أكسب مزيداً من المال، متى سنخرج مع الأصدقاء للنزهة، سأتسكّع قليلاً بين صفحات الإنترنت) يحمل جوّاله المتطور، يتصفح منه أحد تطبيقات (شبكات التفاصل الإجتماعية) ، وتمر عليه هذه التدوينة, قلبه لازال مهيّجاً بعد لقطات من سوريا (طفلٌ يناديه ويذرف الدم، وشابٌ يصرخ بحرقة على قلبه الأصم “أنقذوناا”) , ويجول ببصره الآن على هذا السطر، ويظن أنها تعني شخصاً آخر على وجه الأرض، النقطة الأهم: لم يتبرع حسن النيّة بأي ريال لسوريا، رغم ورعه البارد، وينساهم كل مرة في سجوده !!


* المشهد الأخير *

تضم الأم ابناءها الثلاثة، كعادتها عند القصف، بعد دقائق سيكملون ليلتين بلا طعام، وقد كانوا قبل سنتين فقط يأكلون كما يأكل صاحبنا الشاب في المشهد السابق، تنادي أكبرهم ذا السنوات العشر (حمّود، فيك تروح للخبّاز أبوأحمد وتجيب منّو باقي خبز امبارح؟) ينطلق الإبن، بين أشلاء البيوت والبشر، تجري من تحته أنهار الدم الساخن لرجل فقدته صغيرته فتشردت، وطفلٍ فقدته جدته، يطلّ الموت على سيّدنا الصغير حمّود من كل نافذة، يحاول اقتناصه كأصغر هدف للتدريب، لم يجد أبوأحمد، لقد كان بيته ساجداً عليه، إرتعب قلبه كثيراً، وفي طريق العودة، كاد صوت القذائف يخلع قلبه، لقد كان من جهة يعرفها جيداً، حاول الوصول لبيته لكنه لم يستطع، فبيته صار ككل البيوت.. بقايا بيت !

ولا زال صاحبنا الشاب تائهاً في مواقع الإنترنت !

 
أضف تعليق

Posted by في 6 مايو 2013 in خواطر

 

خواطر سوريّة



حمص.. تنتقل من (الجغرافيا) إلى (التاريخ) !

حمصْ .. تنتقل من (الجغرافيا) إلى (التاريخ) !

 

• سوريا لا تناديكم .. تعلم أنكم مشغولون عنها بقضية مصيرية، ألا وهي البطولة الكروية، التي ترفس فيها الأرجل ما تبقى من كبريائنا وشهامتنا, و يلاحق الشباب كرةً فارغةً مثل رؤوسهم تماماً !

• سوريا لا تستنجد بكم فهي تقدر انشغالكم.. فبينما شبابنا (يهزون) في الإستراحات والبيوت كانت حمص تشاركهم الاهتزاز لتهوي بأبنيتها فوق رؤوس أصحابها الذين لا يجيدون لغة الرقص !

• سوريا لا تحتاجكم .. وتثمن انشغالكم في إحتفالات أعياد 2012 أو2013 .. وتعتذر عن عدم الدقة، تعبت من عد شهدائها ونسيت رتبة العشرآت والآلاف بعد أن تعودت العد بمئات الألوف !

• سوريا تقدر انشغالكم.. ولا تنتظر منكم ولو وداعا لأطفال يهطلون برصاص قناص يتدرب عليهم ليستعرض مهارته في اصطياد الأهداف الصغيرة, وهي تبحث عن كسرة خبز أوحلوى !

• سوريا لا تنتظركم، تلاسنوا وعربدوا، واشبعوا واتخمو كروشكم، ولا تلتفتوا لمنظر الدماء البشعة -وخذلانكم أبشع- لئلا تعكر مزاجكم الرقيق، انسوا أمرها فلها رب لن ينساها!

 

لو أنه طفلك ؟ 

تبسّم يا سيدي تبسّم..
إرفع أصبعيك الطاهرات للسماء المقدّسة ،
إرفع أصبعيك لحيث سبقتك رجلك بإذن الله ,
وأرجوك لا تأمل منّا شيئاً، سنشتم الحكّام الخاذلين،
ونكمل عليهم بالعلماء الخائنين، ونوزع التهم على الجميع إلا نحن،
فنحن لم نلتفت لأنفسنا لحظة لنسألها : س/ ماذا ضحينا لسوريا؟ 

رجلك التي ذهبت خير من الباقية, والباقية خير منّا جميعاً ! 

 
الكشف والظلم
 

تغريداتنا وتعليقاتنا مجرد عبث صبياني عند هذه الصرخة التي تختفي أمامها زئير الأسود ،
أرجوك سامحنا يا سيدي.. نحن الخاذلون الخانعون عن النصرة،
والساكت عن الثورة شبيح أخرص !

 
:(
 

نشاهد فلما عن سوريا فتنطلق شرارة في أنفسنا، نقرأ عن مجازر دموية فتشتعل نار في دواخلنا،
ونسكب الزيت على هذه النار بسماع أناشيد حماسية.. تتوسع النار فتحرق الأخضر واليابس،
ثم تكفي ساعة واحدة في أحد مجالس القطب الروحي المتجمد .. فتنطفئ النار دفعة واحدة!

س١/كم أبقيت لنفسك من المال؟
(سؤال لن يفهمه المتبلدون الذي لم يتصدقوا بريال لسوريا)

س٢/ كم ساعة تخصصها للدعاء للسوريين في قيامك الليل؟
(سؤال لن يفهمه العاطفيون، أهل الغيرة والورع البارد)

•••

تلخيص المشهد في آيتين:

{ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللهُ: لانتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله: فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ..
سَيَهْدِيهِمْ, وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ, وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا االله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ.. فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ! وَتِلْكَ الْأَيَّامُ: نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ, وَلِيَعْلَمَ اللهً الَّذِينَ آمَنُوا, وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}

•••

دعائنا للسوريين.. نستفيد منه قبلهم، وثناؤنا عليهم .. ليس سوى تزكية (لنا) !
لكن أرجوك, حينما تدعوا من أعماق قلبك فأيقن بالإجابة، إيااك و(بأجرب الدعاء) !

•••

شكرا بشار .. آثرتهم على نفسك .. و زففتهم للجنة شهيدا تلو شهيد ..
وألقيت بنفسك في حفرة لأجلهم .. حفرة مهما أمتلأت .. تصرخ : هل من مزيد ؟
تلميذ البوطي،نصيري المعتقد ، رافضي الديانة ، طاغية الأخلاق , سفاح الحكم .. جمع الكُفر من أطرافه!

•••

أقسم .. لو جنّد الشعوب كل ما بيدهم تجاه سوريا -بدل إلقاء التهم على السياسي- لتحررت سوريا هذه اللحظة، المال والتذكير والتثبيت والضغط !

•••

قل لي بربك/ ما فائدة قلمك إن لم ينتصر للمستضعفين؟
ما جدوى صفحتك إن لم تزكيها بالتذكير والتثبيت؟
ما فخر موهبتك إن لم تسخرها ضد الطغاة؟

•••

بشار.. لم تر شيئا بعد .. لدينا الكثير من (الحماس) التي سنستهلكه ما لم تتوقف.. ولدينا الكثير من الصمت الذي سنصرفه بحكمة , نحذرك

•••

سؤال/ مالفرق بين “مقولة” مسلمين قادرين (ما بنسوي شي والله معاهم) وقول اليهود (فَاذهب أنت وربك فقاتلا إِنا هاهنا قاعدون) ؟

•••

في سوريا .. يطل الموت من القبور الشاحبة، النوافذ الباكية، المنائر المحطمة، من الطرقات المختنقة بالدم، من الحوائط النابضة بالقهر !
الموت في (حمص وحلب ودرعا وغيرهم) ليس فجائيا أبدا .. بل استمرار الحياة هناك يأتي فجأة !*

•••

الفرق بين الثوار والطاغية، ننتظر مالا ينتظرون (الحرية / الجنة)
{إن تكونوا تألمون فأنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون}

•••

ياا الله ؛ طال الكرب وصعب الخطب واشتد الأمر..
ربّ إقبل شهيدهم ورد أسيرهم واشف جريحهم، إن لم يكن بك سخط علينا وعليهم فلا نبالي لكن نصرك ورحمتك هي أوسع لنا

دعاؤك الطيب يبقى بجانبك في الأرض.. حتى يأتي العمل الصالح فيطير به إلى الله ! (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه)

•••

إذا وجدت (دماء سوريا +18) فاقتحم.. ولن تكون المناظر أبشع من مواقفنا تجاهها أبداً !

•••

من لم يعتصره قلبه على سوريا فـ ليتّهم إيمانه ،، (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) !

•••

قال المراقب: لم يكن الرسول يقنت لكل نازلة أكثر من شهر، ولك عامين تقنت؟
رددت: ويحك، في سوريا كل يوم تقع نازلة ولها شهرها، نوازلها متتابعة متسلسلة !

•••

ثلاثية أقلّ النصرة: تدعوا لهم ، وتذكر الناس بهم ، وتتبرع لهم وتثبتهم!

 
 
3 تعليقات

Posted by في 15 فبراير 2013 in خواطر

 
ملاحظة

خواطر قرآنية ..

أولاً )

من الأساليب الأخّاذة للقرآن .. تكرار  شروط ووعود {إن تَتَّقُواْ اللّهَ .. يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}, {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ .. فَهُوَ حَسْبُهُ}, {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ .. يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} .. حقق الشرط يأتي الوعد , ومن أصدق من الله قيلاً ؟ , وهناك أسلوب آخر عبقري غير مباشر , عبر ذكر سير الذين من قبلنا , ماذا فعلوا وما جزاؤهم, فإن أردنا نفس النتائج فلنفعل نفس الفعل, وإذا أردنا الخلاص من تلك النتائج فلنهرب من الأفعال , من أمثلة الأولى يوسف -عليه السلام-, حينما ذكر الله لنا من أعاجيب قصته التضحية بالحرية للهروب من الشهوات {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فأجاب دعاءه {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ… تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} , وأما من الجهة المقابلة فتقف سورة (الهمزة) حينما يبدأ الوصف القرآني للإنسان الساخر بشعائر الله, الذي انغمس في حياته وشهواته وأمواله حتى نسي لحظة فراقها, فحكم الله عليه {لينبذنّ في الحطمة}

أولاً ونصف )
أجمعنا يوماً ما في مجلس طالب علم بأننا -وللأسف الشديد- حينما نقرأ كتاباً ما ونمر بإقتباس من كتاب الله عز وجل حتى نقفز بأعيننا من قوس أول الآية حتى نصل للقوس الأخير ونقرأ ما بعدها, وفي أحسن حالاتنا نمر على الآيات بسرعة من يقرأ جريدة والله المستعان , ولعل العلة في ذلك أننا مررنا بها غير مرة, إلا أن هذا مسوغٌ باطل, بل القراءة المثالية للآيات هي إكتشاف أبعادها الجديدة وربطها بالقضايا من حولنا وهكذا نقرأ نكتشف في الآية كل مرة شيئاً جديداً وعبرة وفائدة, ووهذا من كمال الإيمان بأن كتاب الله هو المعين الذي لا يمكن أن ينضب,, قد تجد هنا ما يدعوك للتجديد !

ثانياً وثالثاً )

من رام الكمال فمن العبث أن يتوجه لغير الكاملين في ظلّ وجود الكامل,, ورغم أن الهدف من إرسال الأنبياء هو دعوة الناس لتوحيد الله عز وجل إلا أن هناك أمور أخرى يمكننا الأستفادة من الأنبياء بها, من ضمنها تلك الدروس التي يقدمونها لنا في فنّ التعامل مع الله عز وجل,, حينما يقول إبراهيم -عليه السلام- {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ, وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فنسب لله الخير من هداية ورزق, ونسب المرض لنفسه, وقول موسى -عليه السلام- {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} اعترف بأن الله نزّل الخير ولكنه إليه فقير,, ومن العبر التي قدمها لنا كتاب الله عز وجل عن الأنبياء هي قصص الإستجابة لدعواتهم في سورة الأنبياء,, حيث ذكر الله لنا كيف أجاب دعوات الأنبياء ولماذا أجابها,, نأخذ بعضها بإيجاز :

  1. {وَأَيُّوبَ.. إِذْ نَادَى رَبَّهُ : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ, وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
    كلما قرأتها أحسست بعمقٍ إيماني في لفظ (نادى),, أحسها من مكان بعيد وتذكرني بالعمق الشديد لعبارة {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} وكما لا يخفاكم فإن (هنا) للقريب و(هناك) للبعيد و(هنالك) للأبعد مع عمق,, وتأدب مدرسة الصبر أيوب -عليه السلام- مع الله في نسبة الضر لنفسه ولم يعلقها بالله عز وجل  يستحقّ الإشارة أيضاً !

  2. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ, وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ.. رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا, وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}
    الفاء في المطلع تعقيب لإجابة الله المباشرة لدعاء أيوب بعد أن جلس في إبتلائه سنين عدداً يستحي من أن يدعوا الله وقد وهبه الكثير من النعم وأخذ واحدة وهي الصحة,, وما أدراكم ما أيوب,, الملهم الأول لكل المصابين والمكسورين .. وفورية الإجابة دليل الفورية في المبادرة لطاعة الله أولاً,, ومن أطاع الله استجاب عز وجلّ له,, {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} ,, تُختم الآية بصفة عظيمة لأيوب -عليه السلام- وأهله على صيغة الجمع ونفهم منها فضل المصابرة للطاعة {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

  3. {وَإِسْمَاعِيلَ, وَإِدْرِيسَ, وَذَا الْكِفْلِ.. كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ}
    عليهم السلام جميعاً ,, تُختم الآية هنا أيضاً بهذه الصفة الجليلة, التي تجلّت في إسماعيل -عليه السلام- بصبره على بيع كل لذاته بأمر من الله عز وجل لأبيه بأن يذبحه,, والصبر أكبر من مجرد الإنتظار,, هناك (الصبر في الطاعات) و(الصبر عن المعاصي) وخلفَ كلّ حق صبراً وجب علينا التواصي به !

  4. {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا.. إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ}
    الصالح مصلح في ذاته .. فيتبع كل خير ويجتنب كل شر,, وهي صفة أوردها الله بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل -عليهم السلام-

  5. {وَذَا النُّونِ.. إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا, فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ, فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن : “لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ .. إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”}
    بعض الآيات تحمل في طياتها مشاعر وجدانية تتدفق بمجرد التأمل فيها,, تبدأ تشكّل الصورة من (الظلمات) التي كان يعيشها يونس -عليه السلام- وتشعرك بالعزلة والخلوة التي جاءته,, يتكرر (النداء) ولكن هنا في قمة الإنكسار والإعتراف بالذنب,, الإعتراف بالذنب والندم عليه,, أعيد : الإعتراف بالذنب والندم عليه !

  6. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ.. وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}
    لايتلوا الإنكسار والتبتّل إلا النجاة من الهمّ والغم التي يجذبها التكبّر والغرور ولو على النفس ذاتها,, ويخبرنا الله عز وجل بأن هذه سنة دائمة لكل من فعل السبب ستأتيه النتيجة (وكذلك ننجي المؤمنين) .. على ذكر المؤمنين ,, هل نحن حقاً مؤمنون ؟!

  7. {وَزَكَرِيَّا.. إِذْ نَادَى رَبَّهُ : “رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ”}
    في هذا النداء الأخير ترى أسلوباً جذاباً في الدعاء الذي يحمل في طياته سبب الدعاء أصلاً ,, وكالعادة السليمة ,, ينتقي صفة الله التي تناسب سياق الدعاء .

  8. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
     وشاء الله بهذه المعجزة,, والثمن كان غالياً,, إنها المسارعة في الخير ,, المسارعة وليس الفعل فقط ,, والعبادة والدعاء رغبةً فيما عند الله من الرحمة ورهباً مما عنده من العذاب وهذه منزلة رفيعة,, وخُتمتِ الآيات بصفة لا تقلّ جلالاً عن ما سبق وهي الخشوع,, وكما عرفها بعض العلماء بالذلة والتواضع في العبادة,,

    آخراً وأخيراً )

    كما تعلم فإن “كل” دعوة تخرج من القلب تمرّ بتقاطع ثلاثة طرق لا رابع لهم: إما أن يستجيب الله له (يا رب إشف أمي.. فشفاها) ، أو يرفع الله به بلاء كان قد سيقع (يارب اشف أمي.. وكان سيتدهور وضعها فما حصل) ، أو يدخره الله له يوم القيامة (يراها العبد جبالاً من الحسنات فيتمنى أن الله لم يستجب لأي أي دعوة) ، فالدعاء كله خير، ولا تيأس ولا تقنط، الله عز وجل أدرى بما يصلحك وأدرى بما ينفعك، فسلم لله فيما أراد !

خواطر قرآنية حول الدعاء

 
4 تعليقات

Posted by في 21 ديسمبر 2012 in خواطر

 

ألهاكم التكاثر

أما قبل/

أنت.. إيه أنت
يا أخي الكريم أكلمك أنت ..
يوه؛ ليه تحول ذهنك لشخص آخر؟
أنت اللي تمر عينيك هذه اللحظة فيه حاجة ودي اقولها لك :
عيناك الرطبتين اللي تتجول بين أسطري، عيناك اللتان لا تسمح للغبار بأن يمر بهما، سينهشها الدود يوماً ويمزقها تمزيقاً، حتى هاتين اليدين اللينتين اللتان لا تسمح لحشرة بأن تلمسهما وتحاول بهما الآن تجاوز هذه الصفحة، هاتين اليدين ستكون مجرد وجبة على قائمة العشاء لدود الأرض, تأملهما جيداً، إرفعها عن الجهاز قليلاً ، “اقبصها” بيدك وخذ “بروڤات” لقرص الدود الذي سيقطعها تقطيعاً ، لا أعلم كيف نعي هذا الأمر ونحن واقفون في هذا الطابور الطويل المؤدي إلى الموت, بوابة الحياة الحقيقية التي لم تبدأ بعد, صدقوني ..أنا لا أتحدث هنا عن قصة خرافية ترويها الجدة قبل النوم, ولا أقتبس لكم من رواية بوليسية تطفح رعباً, أخبرك عنك, من الجيد أن تفكر جيداً بأولوياتك في هذه الحياة !
أما بعد/
“كم عدد أصدقاءك؟” ظن أنه يحرجني بهذا السؤال وهو من يدعي امتلاك إمبراطورية العلاقات، أجبت برضى: أصدقائي من البشر ثلاثة !
هامش1 / (عبارة “الصديق” أصلها اللغوي “الصدق” , أما “الحبيب” فأصله اللغوي هو “الحب”, ورابط الأول في العقل والثاني في القلب بحسب معاييره التي لا يفقهها العقل, وللصديق شروط كالصدق في النصح والفزعة عند البلاء والبذل عند الحاجة والذب عن الصديق وغيرها)
أحد صديقاتي غير البشريين تعرفت عليها عن قرب الأحد الماضي، وعلمتني درساً بشأن التفاخر والإزدياد و”التكاثر” في الأصدقاء، دعوني نقفز للب الموضوع مباشرة:
قال الرحمن {(ألهاكم) التكاثر} .. تكاثرنا وتفاخرنا وتمايزنا في المال والزينة والأولاد والألقاب التي نركنها بجانب أسمائنا، تكاثرنا في أعداد الأصدقاء والمتابعين وفي عبارات الثناء التي نحلبها من أفواه الآخرين، وتكاثرنا في العلم الذي لا ينفع، وكل ذلك (لهو) أمام ما وظيفتنا الحقيقية {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون}
ونظل نزداد ونطمع ونكاثر في حطام الدنيا حتى تأتي لحظة فاصلة {حتى زرتم المقابر}، {كلا سوف تعلمون} ، “سوف” دلالة مستقبل أي: أننا لا نعلم بعد -علم اليقين- عن ما بعد التكاثر، وأشار النبي لهذا العلم قائلاً {لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً … ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله} فكل ما رأيت العبد ازداد صمته وتأمله وبكاؤه فهذه إشارة لتوفيق الله له بذلك العلم اللدني الرباني، و أكدها الله {ثم كلا سوف تعلمون} وفي التأكيد إشارة مؤلمة لأشخاص يسعون كادحين لغير ما خُلقوا له، أمامهم إمتحانات فظيعة ولا زالوا يعربدون، وأحسنهم مثل طالب يضيع كل وقته في الأنشطة التوعوية اللاصفية ثم يعيد السنة راسباً, فالأنشطة والبرامج تخرس حين تنطق الشهادات !
{كلا لو تعلمون علم اليقين/ لترون الجحيم}، شرط وجواب شرط، أي: لو كنا نعلم يقيناً بحقيقة الكون العظمى لكنا نعمل في الدنيا وكأننا نرى الجحيم أمامنا وهذه مرتبة الإحسان وهو أفخر وأرقى مراتب الإيمان بالله، {ثم لترونها عين اليقين} وهذه هي عين اليقين في الآخرة وما من شخص وضع عليه القلم إلا وسيرى الجحيم بعينيه جهاراً، {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} وكل ما أنعمه الله علينا سنسأل عنه فالمال/ من أين كسبناه وأين أنفقناه ريالاً ريالاً وهللة هللة، وسنسأل عن شكر النعم، وهكذا يظل الأغنياء آلاف السنين على باب الجنة يحاسبون حساباً دقيقاً لا يترك مثقال ذرّة إلا ويجازي به بينما الفقراء قد سبقوهم للجنة،
هامش2/(وحين تشكر نعم الله فلا تنسَ أن تشكر لله أن وفقك لشكر نعمته ثم اشكره على أن فقهك بشكر توفيق الله لك)
ومن شكر النعم -الوااااجبة شرعاً- وهذا أمر مربك ومثير -بالنسبة لي على الأقل- هي ما أسسه النبي عليه الصلاة والسلام وأسس معه عبقرية العمل التطوعي بقوله (يصبح على كل سلامى -عند الإنسان السليم 360 سلامى- من أحدكم صدقة، وحمل الرجل متاع أخيه على دابته صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة بكل تسبيحة صدقة, وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة) واختزلها في قوله (كل معروف صدقة) ومن لم يستطع فـ(تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك) بموجب هذه الأحاديث العظيمة فإنه -يجب- علينا كل يوم ٣٦٠ عملاً تطوعياً إن لم نفعلها خصمت علينا الدرجات في كشوفات الآخرة!
بقي الكثير من الكلام حول وصف (ألهاكم) وتحديد (التكاثر) وتخصيص لفظ (زرتم) إشارة على أن عمر القبر (البرزخ) رغم طوله -يعتبر مجرد زيارة بالنسبة لحياة الخلود الأبدية بعده- واختيار (الجحيم) وعلاقة كل كلمة بأخرى والرابط بين (النعيم والتكاثر) وبين وبين علم اليقين وعين اليقين لعل لها فراغاً آخر ..

:)

 
أضف تعليق

Posted by في 14 ديسمبر 2012 in خواطر

 

حاضر العلمانية

حاضر العلمانية

قبل: أحمد الله وأثني عليه وأشكره على نعمه واسأله أن يستعملنا بها في طاعته.. والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وقارئ هذي الأحرف وكاتبها, أما بعد : -أحس بأن البعض غادر التدوينة حين قرأ هذه المقدمة المستهلكة, لا بأس, فالجراثيم تكره النظافة-

تعرضت الأمة الإسلامية على مر العصور بأمراض وأعداء وخيانات , لسنا هنا بصدد تجريم الأساليب التي كادت تؤدي بالأمة للهلاك فلهم مبرراتهم التي كنا سننتهجها ضدهم لو كنا في مكانهم -بفرقين كبيرين: سنكون أكثر رحمة بهم وتاريخ الفتوحات يشهد, ولن ندّعي بأننا دول الحرية والحقوق كما “يزعمون”- , إذاً لماذا هذا البحث الذي يتعرض لأقوى أسلحة الأعداء الفكرية “العلمانية” ؟ هذا البحث المتواضع يتناول مرحلة مهمة من مراحل هذا التيار الذي وفد على الأمة الإسلامية واستهدف إبعادها عن عقيدتها وربطها بالفكر المهيمن في هذا العصر البعيد عن هدي الله ومنهج رسوله – صلى الله عليه وسلم- ,  وكما هو الحال مع الفتن : “أول من يتنبأ بها العلماء ثم يراها المثقفون وأخيرا يعلم بها العامة بعد أن ولت مدبرة” , صحيح أن العلمانية انحسرت بمصطلحها (القديم) وانحسرت معها قوة الخطاب الديني الممانع رغم أن الجوهر قد بقي بل وتعدد وتشكل بصورة مدارس أدبية وسياسية واجتماعية كما سنطرح لاحقاً..

راجياً من الله أن يكتب لهذا البحث التوفيق والنجاح وأن لايحرم القائم عليه من الدرجات في الدنيا والأخره.. والله ولي التوفيق

 

                 

التعريف

الترجمة الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية ، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدا عن الدين.

مدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع و إبقاءه حبيسا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه.

جاء في القاموس الانجليزي بيان معنى كلمة العلمانية : أن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية.

أما دائرة المعارف البريطانية فتعرف العلمانية بأنها:حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب.

 

نشأة العلمانية:

ظهرت العلمانية في أوربا منذ القرن السابع عشر لكنها لم تطبق كنظام سياسي إلا بولادة الحكومة الفرنسية سنة 1789م وهي أول حكومة لا دينية تحكم باسم الشعب.

وقد قامت العلمانية على عدة نظريات حتى وصلت إلى مفهومها الحالي:

نظرية التطور: ظهر كتاب أصل الأنواع سنة 1859م لتشارلز دارون الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب ، وقد جعلت الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها وهذه النظرية أدت إلى انهيار العقيدة الدينية المحرفة ونشر الإلحاد.

ظهور نيتشه: وفلسفته التي تزعم بأن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (السوبرمان) ينبغي أن يحل محله.

دور كايم (اليهودي):جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي.

فرويد (اليهودي): صاحب التفسير المادي للتاريخ الذي يؤمن بالتطور الحتمي وهو داعية الشيوعية ومؤسسها الأول الذي اعتبر الدين أفيون الشعوب .

دخول العلمانية إلى العالم الإسلامي:

– في مصر : دخلت العلمانية مصر مع حملة نابليون بونابرت ، وأدخل الخديوي إسماعيل القانون الفرنسي سنة 1883م

الهند : حتى سنة 1791م كانت الأحكام وفق الشريعة الإسلامية ثم بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة بتدبير الانجليز وانتهت تماما في أواسط القرن التاسع عشر.

الجزائر : إلغاء الشريعة الإسلامية بعد الاحتلال الفرنسي سنة 1830م

تونس : أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1906م

المغرب : أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1913م

تركيا :لبست ثوب العلمانية بعد إلغاء الخلافة واستقرار الأمور تحت سيطرة مصطفى كمال أتاتورك.

العراق والشام: ألغيت الشريعة أيام إلغاء الخلافة العثمانية وتم تثبيت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيهما.

– معظم أفريقيا: فيها حكومات نصرانية امتلكت السلطة بعد رحيل الاستعمار

اندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرقي آسيا: دول علمانية بحكم النشأة.

– انتشار الأحزاب العلمانية والنزعات القومية: حزب البعث، الحزب القومي السوري، النزعة الفرعونية، النزعةالطورانية، القومية العربية.

 

أنواع العلمانية

 

النوع الأول : العلمانية الملحدة أو العلمانية المتطرفة .

وهي ما تسمى بالشيوعية أو الماركسية , وهي التي تنكر الدين من الكلية , بل تنكر وجود الله تعالى , وتحارب وتعادي الدين وأهله , إلا أن الحكم بكفره أمر ظاهري لكافة المسلمين

 

النوع الثاني : العلمانية المعتدلة

وهم الذي لا ينكرون وجود الله تعالى , بل ويسمحون بإقامة الشعائر الدينية على مستوى الدولة والأفراد , ويسمون أحياناًديمقراطيين أو تنويريين , وهذا النوع فيه إضلال و تلبيس على عوام المسلمين 

النوع الثالث : العلمانية الدينية

هناك نوع ثالث من أنواع العلمانية , وهو ما يسمى بالعلمانية الدينية , وهم فئة من الشيوخ الذين انفتحوا على الغربانفتاحاً قدموا به العقل على نصوص الشرع عبر تأويليها وإعادة تفسير التراث الإسلامي

نتائج العلمانية وثمارها في العـالم العـربي والإسلامي :

أولا : رفض الحكم بما أنزل الله , وإقصاء الشريعة الإسلامية

ثانيا : تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه وتصوير العصور الذهبية للفتوح الإسلامية على أنها عصور همجية تسودها الفوضى والمطامع الشخصية

ثالثا : إفساد التعليم وجعله خادماً لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق :

*بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية بالنسبة للتلاميذ والطلاب في مختلف مراحل التعليم
*تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن
*منع تدريس نصوص معينه لأنها واضحة وصريحة في كشف هؤلاء العلمانيين
*تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني أو على الأقل أنها لا تعارضه
*إبعاد الأساتذة المتمسكين بدينهم عن التدريس , وذلك عن طريق تحويلهم إلى وظائف إدارية أو عن طريق إحالتهم إلى المعاش أو رميهم وحذفهم إلى المناطق النائية والبعيدة
*جعل مادة الدين مادة هامشية حيث يكون موضوعها في آخر اليوم الدراسي وجعلها لا تؤثر في تقديرات الطلاب
*إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة وهم المسلمون , وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد , وصهر الجميع في إطار واحد
*كذلك من ثمارها في بعض البلاد الإسلامية نشر الإباحة والفوضى الأخلاقية
*كذلك محاربة الحجاب الإسلامي وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات
*كذلك إفساح المجال في وسائل الإعلام المختلفة للعلمانيين المنحرفين لمخاطبة أكبر عدد من الناس لنشر الفكر الضال المنحرف
*كذلك من ثمارها الخبيثة مطاردة الدعاة ومحاربتهم

 

أشهر المدارس العلمانية

أ – مدرسة الديموقراطية

كلمة مجموعة من كلمتين هما , ديموس ومعناها الشعب والكلمة الثانية كراتس ومعناها السلطة , أيسلطة الشعب أو حكم الشعب بالشعب

مفاهيم و قِيَم الديمقراطية :

الديمقراطية هي حكم الأكثرية, لكن النوع الشائع منها (أي الديمقراطية الليبرالية) يوفر حماية حقوق الأقليات والأفراد عن طريق تثبيت قوانين بهذا الخصوص بالدستور، ويتجلى كل ركن في عدد من المفاهيم والمبادئ سوف نبسطها تاليا. ويندر أن تحوذ دولة أو مجتمع ما علَى هذه المفاهيم كلها كاملة غير منقوصة، بل أنّ عدَداً من هذه المفاهيم خلافي لا يلقى إِجماعا بَين دعاة الديمقراطية المتمرسين.

مبادئ تحكيم حكم الأكثرية ومفاهيمه :

هي مفاهيم ومبادِئ مصمَّمةٌ حتَّى تحافظ الأكثريّة علَى قدرتها علَى الحكم الفعّال والأستقرار والسلم الأهلي والخارجي ولمنع الأقليّات من تعطيل الدولة وشلّها:

  • مبدأ تداول السلطات سلمياً
  • بدأ حكم الأكثريّة
  • مبدأ فصل السلطات ومفهوم تجزِيء الصلاحيات
  • مبدأ التمثيل والأنتخاب
  • مفهوم المعارضة الوفيّة
  • مفهوم سيادة القانون
  • مفهوم اللامركزيّة

 وقد عرفها الشيخ د.سفر الحوالي : نظام غربي قائم على حكم الشعب نفسه بنفسه، فالحاكمية فيه ليست لله عز وجل بل للشعب نظرياً، ولأصحاب رؤوس الأموال في حقيقة الأمر. 

ب – المدرسة الرأسمالية :

أما المدرسة الرأسمالية فهي نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسة , وتنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها,

ومن أسس الرأسمالية البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب وتقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق إلى أن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته من أي طريق سواء كان حلالا أو حراماأسس الرأسمالية :

-البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب إلا ما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات مثلاً.

– تقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها وتوفير القوانين اللازمة لنموها واطرادها وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن.

– المنافسة والمزاحمة في الأسواق Perfect Competition.

– نظام حرية الأسعار Price System وإطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها.

من عيوب الرأسمالية :

*انتشار الأنانية حيث يتحكم الفرد أو الأفراد بالأسواق المالية العالمية تحقيقا لمصالحهم الذاتية دون تقدير حاجة الناس

*الاحتكار , حيث يقوم الشخص الرأسمالي باحتكار البضائع وتخزينها حتى إذا ما فقدت من الأسواق باعها بسعر مضاعف يبتز بهالمستهلكين

* ابتزاز الأيدي العاملة والكادحة وذلك لأن الرأسمالية تجعل الأيدي العاملة سلعة خاضعة لمفهوم العرض والطلب مما يجعل العاملمعرضا في كل لحظة لأن يستبدل به غيره ممن يأخذ أجرا اقل أو يؤدي عملا أكثر أو خدمة أفضل

* البطالة وهي ظاهرة مألوفة في المجتمع الرأسمالي , وتكون شديدة الظهور إذا كان الإنتاج أكثر من الاستهلاك مما يدفع صاحبالعمل إلى الاستغناء عن الزيادة في هذه الأيدي التي تثقل كاهله

 

جـ – المدرسة الوجودية

التعريف :
الوجودية اتجاه فلسفي يغلو في قيمة الإنسان ويبالغ في التأكيد على تفرده وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى موجه, وهي فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة عن الموضوع.
وتعتبر جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة التي تتعلق بالحياة والموت والمعاناة والألم، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم.
ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار.

الأفكار والمعتقدات:
يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل. وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة.
يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق والقلق واليأس والشعور بالسقوط والإحباط لأن الوجودية لا تمنح شيئاً ثابتاً يساعد على التماسك والإيمان وتعتبر الإنسان قد أُلقي به في هذا العالم وسط مخاطر تؤدي به إلى الفناء.
يؤمنون إيماناً مطلقاً بالوجود الإنساني وتخذونه منطلقاً لكل فكرة.
يعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدماً وأن وجود الإنسان سابق لماهيته.
يعتقدون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مشكلة الإنسان.
يقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان ومراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره.
يقولون بحرية الإنسان المطلقة وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء وبأي وجه يريد دون أن يقيده شيء.

الجذور الفكرية والعقائدية:
إن الوجودية جاءت كردِّ فعل على تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين

تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة,
تأثرت بسقراط الذي وضع قاعدة “اعرف نفسك بنفسك”.
تأثروا بالرواقيين الذين فرضوا سيادة النفس.
كما تأثروا بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية.

 

د – المدرسة الرومانسية

التعريف :
● الرومانسية أو الرومانتيكية مذهب أدبي يهتم بالنفس الإنسانية وما تزخر به من عواطف ومشاعر وأخيلة أياً كانت طبيعة صاحبها مؤمناً أو ملحداً، مع فصل الأدب عن الأخلاق. ولذا يتصف هذا المذهب بالسهولة في التعبير والتفكير، وإطلاق النفس على سجيتها، والاستجابة لأهوائها. وهو مذهب متحرر من قيود العقل والواقعية اللذين نجدهما لدى المذهب الكلاسيكي الأدبي، وقد زخرت بتيارات لا دينية وغير أخلاقية.

– ويحتوي هذا المذهب على جميع تيارات الفكر التي سادت في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وأوائل القرن التاسع عشر.
– والرومانسية أصل كلمتها من : رومانس romance باللغة الإنجليزية ومعناها قصة أو رواية تتضمن مغامرات عاطفية وخيالية ولا تخضع للرغبة العقلية المتجردة ولا تعتمد الأسلوب الكلاسيكي المتأنق وتعظم الخيال المجنح وتسعى للانطلاق والهروب من الواقع المرير، ولهذا يقول بول فاليري: “لا بد أن يكون المرء غير متزن العقل إذا حاول تعريف الرومانسية”.

الأفكار والمعتقدات :
– الذاتية أو الفردية: وتعد من أهم مبادئ الرومانسية ، وتتضمن الذاتية عواطف الحزن والكآبة والأمل، وأحياناً الثورة على المجتمع.
فضلاً عن التحرر من قيود العقل والواقعية والتحليق في رحاب الخيال والصور والأحلام.
التركيز على التلقائية والعفوية في التعبير الأدبي، لذلك لا تهتم الرومانسية بالأسلوب المتأنق.
-تنزع بشدة إلى الثورة وتتعلق بالمطلق واللامحدود.
– الحرية الفردية أمر مقدس لدى الرومانسية، لذلك نجد من الرومانسيين من هو شديد التدين مثل: شاتوبريان ونجد منهم شديد الإلحاد مثل شيلي.
ولكن معظمهم يتعالى على الأديان والمعتقدات والشرائع التي يعدها قيوداً.
– الاهتمام بالطبيعة، والدعوة بالرجوع إليها حيث فيها الصفاء والفطرة السليمة، وإليها دعا روسو.
– فصل الأدب عن الأخلاق، فليس من الضروري أن يكون الأديب الفذ فذ الخلق. ولا أن يكون الأدب الرائع خاضعاً للقوانين الخلقية.
– الإبداع والابتكار القائمان على إظهار أسرار الحياة من صميم عمل الأديب، وذلك خلافاً لما ذهب إليه أرسطو من أن عمل الأديب محاكاة الحياة وتصويرها.
– الاهتمام بالمسرح لأنه هو الذي يطلق الأخيلة المثيرة التي تؤدي إلى جيشان العاطفة وهيجانها.
– الاهتمام بالآداب الشعبية والقومية، والاهتمام باللون المحلي الذي يطبع الأديب بطابعه، وخاصة في الأعمال القصصية والمسرحية.

وعي المجتمع :

قمت بعمل استطلاع للرأي لبعض أفراد المجتمع الإسلامي , وأكد الاستطلاع وجود وعي نسبي لدى من هم فوق (25 سنة) وقلتها عند من هم دونها وقد يعود السبب إلى أن تلك الفترة شهدت تدافعاً كبيراً بين التيارات والمذاهب الفكرية فنتج عنها هذا الوعي , وكانت إجابات العينة العشوائية من المجتمع –ومعظمهم طلاب جامعيون- على سؤال “ماذا تعرف عن العلمانية؟” يحوم حول صراع هذا التيار مع الإسلاميين , فقد نصت معظم الإجابات على أن العلمانية -بالترتيب حسب أكثرية التكرار- : “هم مجموعة من الناس يريدون تغير حدود الدين” أو “لهم اعتقادات وتفكير منحرف” و “يريدون إدخال الشك على من هم ثابتين على دينهم” وأتت بعض الإجابات الطريفة على غرار ” هم اللذين لا دين لهم ويألفون دين آخر” وهم نسبة 45% وفي الدرجة الثانية من فهم الناس للعلمانية جاء تعريفها من الناحية السياسية بقولهم “هم من يفصلون الدين عن الدنيا” أو “فرقة تهدف للتفريق بين السياسية والدين” وكانت بنسبة 30% وأما بقية الإجابات وهي ما تشكل 25% من مجمل الإجابات فقد كانت تنم عن جهل تام بالعلمانية وتركزت جلها على عبارة مثل “ما أدري”! 

 

الخاتمة

وفي ختام هذا البحث نذكر بأهمية العمل بعد العلم { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك}، ولست أقصد بالعمل ذلك العمل الذي يعود نفعه وخيره على شخص العامل فقط من وقاية ونحوها ، ولكن أين العمل الذي يعود نفعه وخيره على الأمة الإسلامية؟ إنه مما يجب علينا إذا علمنا الحق أن نعتقد به ثم لا نكتفي بذلك حتى ندعو غيرنا ونبصرهم بحقيقة هذا الدين ، وبتكالب الأعداء علينا من داخلنا وخارجنا ، وبحجم المأساة التي تعيشها الأمة الإسلامية ، ولا يصدنا عن القيام بهذا الدور ما نلقى من عنت ومشقة ومن صدود من جانب الناس فتذكر أدوات العدو وتشخيص واقع الأمة لم يكن يوماً لأجل صنع بكائيات ومظلوميات , بل لنعرف ونعمل, ومن لم يعرف خطوته التي هو فيها , لم يعرف أين يضع خطوته القادمة وهذا هو الهلاك.

عرفنا بأن العلمانية دعوة إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدا عن الدين الذي يتم فصلة عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في الضمير. وكونها تعارض الإسلام لا يعني أنها قامت على ذلك ولأجله ولم يبنها الغرب لتكون سلاحاً بيدهم على المسلمين , لكنهم استغلوها في بعد عليهم .

المراجع

الحوالي , سفر بن عبد الرحمن . العلمانية . مكة : جامعة أم القرى , 2008م
الجهني , د.مانع بن حماد . الموسوعة الميسرة . الرياض : دار الندوة العالمية , 2003م
الحربي , ممدوح . موسوعة الفرق والمذاهب والأديان المعاصرة . القاهرة : ألفا , 2010م
جريشه , د.علي . حاضر العالم الإسلامي . جدة : دار المجتمع , 1986م
قطب , د.محمد . رؤية إسلامية لأحوال العالم العاصر . الرياض : دار الوطن , 1991م
الحوالي , د.سفر بن عبد الرحمن . أصول المذاهب والأديان المعاصرة . الرياض : البيان , 1430هـ
ويكيبيديا . العلمانية en.wikipedia.org/wiki/Secularism
دائرة المعارف البريطانية : ARTICLE from the Encyclopedia Britannica

المشرف : د.علي الغامدي
الطالب : عزام الشثري – 83 نهج
2012م – 1433هـ

رابط للـ(واجب)
http://www.4shared.com/office/y5IuTwuw/_docx.html

 
أضف تعليق

Posted by في 6 يونيو 2012 in خربشات

 

هل “نحن” مؤمنون ؟

الإنطلاقة :

عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو بن العَاص رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
“إِنَّ الإِيمَانَ لَيخلق فِي جَوْفِ أَحَدكُمْ كَمَا يَخلقُ الثَّوْبُ فَاسْأَلُوا الله أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ”

الملخص :

لا أظنني سأنسى ضجيج فصلي الصغير في تلك الحصة بالذات .. بينما عبدالرحمن يعرض علي (علك النعناع) والطلاب يتابعون معركة الأرجل بين (فيصل) و(يحيى) , كان الأستاذ (المنيع) يشرح “أركان الإيمان”, وصدمتني حينها آية {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} مسلمون ولكن غير مؤمنين .. الموضوع يحتاج إلى بحث إذاً !

تنتقل الكاميرا إلى عالم البحار وشابين على متن طائرة هاليكوبتر يدوران على محيط مكتظ بالحياة وضجيج التيارات المصطدمة بالحيود المرجانية, كانا يأخذان مسحاً عاماً على المحيط .. س/هل ذاق الشاب طعم الغوص ومناظر الشعب المرجانية الفاتنة وذاق الأسماك أو حتى تنعم بالتزين باللؤلؤ؟ طبعاً لا !

هذا (بالضبط) ما كان أستاذ التوحيد يقدمه لنا في حصته تلك, كنا نقرأ عن الإيمان نصاً جامد -للأسف- بعيدا عن الحياة والروح العميقة والجميلة فيه !

الدين بحر .. سطحه الإسلام , وعمقه الإيمان ! 

ولد راكان في قصر مشيد فيه كل ما يريده وما لا يريده, ولم يخرج منه يوماً .. س/ هل سيعرف قدر نعمته ؟

هذا (بغير الضبط) حالنا مع قصر الإيمان الذي ولدنا فيه, من خرج منه عرف الحيرة وتجوف الروح !

الإيمان كالقصر .. من ولد فيه فلن يعرف قدره إلا بالخروج منه , أو التأمل فيه ! 

الإيمان صعب .. دعوني أكن معكم صريحاً : أحد الشباب سأل داعيةً (الإيمان بالجنة صعب لأن فيها أشياء ما أتخيلها!)
فكان ردّ الشيخ : تخيل معي جنينين في الشهر الخامس (وأنت تعرف جيداً حال الأجنة الجسدية والبيئية) وجاء خبر لأحد الجنينين بأن في خارج هذا البطن عالم كبييير فأخبر أخاه -الجنين الآخر- بأن هناك دنيا ممتلئة بالطائرات والسيارات والقصور والفرش الوثيرة, بكل تأكيد فإن الجنين الآخر لن يصدق , فعقله أصغر من أن يفعل ذلك, بل وحتى إن خرج على الدنيا بحالته فإنه لن يستطيع أبداً التكيف معها, بعد أشهر خرج الجنين الأول, الجنين الآخر يبكي عليه (ظناً منه بأن أخاه قد فقد الحياة وفقد هذا المكان المريح) أما الآخر فتلقفته الأيدي بكل فرح !

هذا (بالضبط) حالنا مع الإنتقال من الدنيا إلى الآخرة !

الدنيا (بطنٌ) نحن فيها (أجنةٌ) .. (المولود) لعالم أكبر نسميه (الميت) !

س/ من هم المؤمنون ؟

سبحان الله ..

بعضنا تجتمع فيه صفات المنافقين : {إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان و إذا خاصم فجر و إذا عاهد غدر}

ومع ذلك نظن أننا – بتسويل الشيطان – من أهل الفردوس الأعلى !

و إذا مرت علينا {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ }

أو { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا }

لم ندع انفسنا تفكر ولو للحظات في هذه الآيآت ! نضمن أننا من أهل { قد أفلحَ المؤمنونَ}

ولم نقرأ ما يتلوها { الذينَ هُم في صلاتِهِم خاشعونَ * والذينَ هُم عن اللغوِ مُعرضونَ }

ببساطة .. إذا أردنا أن نعرف : ما مقدار إيماننا ؟ لنعرض أنفسنا على القرآن , وإليكم هذه الآية الخطيرة (مثلاً) : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ , وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً , وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ , وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ! لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }

إطرحها على نفسك بشكل أسئلة : هل أنا إذا ذكر الله وجل قلبي وخشع ؟ إذا تليت الآيآت زادتني إيماناً ؟ هل أنا متوكل على الله حق التوكل ؟ 

علما ً بأن التصور له أثر عظيم على العمل ومن شاهد سير السلف وأولهم الحبيب -صلى الله عليه وسلم- يدعوا ربه في كل سجدة {ثبت قلوبنا على دينك} وأصحابه -رضي الله عنهم- فحنظلة يصرح “نافق حنظلة” ويرد عليه أبوبكر “والله إنا نلقى مثل هذا” وعمر يكرر على حذيفة سؤاله (أعدني رسول الله من المنافقين؟) عرف بأن إتهام النية ومعالجتها كانت ديدنهم .. وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه أبوهريرة {وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة}
ومن صفاتهم : {والذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالو ا سلاما () والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما () والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما}

وأختم بهذه الصفحة الجليلة {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون}

لنكن مؤمنين حتى نستحق ما قاله العظيم {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}

ما دمت تخاف على نفسك من النفاق فأنت بخير وإن غير ذلك فراجع إيمانك !


أركان الإيمان :

مدخل : {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَ”الْمُؤْمِنُونَ” كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}

وقول الحبيب عليه الصلاة والسلام عن الإيمان “أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر, و تؤمن بالقدر خيره و شره”

الله

إن الإيمان بالله نعمة عظيمة واسألوا من يبكي الليالي لا يعرف خالقاً له , وإلى أين يمضي وكيف بدأ الكون وإلى أين سيمضي؟ أنصح نفسي وإياكم بنشاطين لنعرف فيها ربنا أكثر (وضعتها لنطبقها لا لنعجب بها) .. إجمع أسماء الله الحسنى وتأمل كل يوم واحدة, شاهد أثرها في الدنيا, تأمل كم هي قدرة الله المطلقة بها؟ وتذكر « إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» , والثانية : تدبر الآيات , وتفكر في خلق الله .. تأمل كيف يصف الله نفسه (آية الكرسي , النمل آية 59 , الإخلاص وخواتم الحشر) وتفكر في مخلوقات الله فكما قال أبو الدرداء (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) وكما نعلم (من تفكر في عظمة الله .. ما عصاه) !

آية تهزُّ الوجدان .. وتفعل في النفس ما لا تفعله سلطات الدنيا .. ولا أحدث المقتنيات في عالم المخابرات {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى؟}

أخيراً : {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} !

(كم هو صعب أن يتحدث عبد جهول عن ربه وخالقه)

الملائكة

مخلوقون من نور, وصفهم الله في معرض وصف النار {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ولنأخذ جبريل الروح الأمين والذي نزل بالشرائع إلى الرسل عليهم السلام مثلاً : وصف ابن كثير جبريل عليه السلام “كان من قوته أنه رفع مدن قوم لوط السبعة بمن فيها من الأمم وما معهم من الدواب وغير ذلك على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى” يا الله .. إجتث بطرف جناح , وبقي 599 جناح شاغرة .. ظهر بها مرة فسد الأفق أمام المصطفى ! وملائكة النار .. ما بين منكبى الملك الواحد مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان فى قعر جهنم !

عبادة الملائكة لله ليست فقط من تسبيحهم بحمد الله و تمجيدهم له, و إنما تنفيذ إرادته جل وعلا بتدبير أمور الكون و رعايته بكل ما فيه من مخلوقات, و ما فيه من قوانين, و إنفاذ قدره وفق قضائه في هذه المخلوقات كلها, و تنفيذ إرادته سبحانه في مراقبة و تسجيل كل ما يحدث في الكون من حركات إرادية و غير إرادية, يجب أن نستشعر بأنه لا يمكن أن يخلو أحدنا بنفسه ولو للحظة , الملائكة معنا كل حين , ومن لم يستحي من الله فليستحي من الملائكة الذين يرافقونه في لقاءاته مع الناس وفي خلواته !

أختم بهذا الحديث  «ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع, فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» يسجدون ويسبحون ويعبدون آلآف السنين ثم يقولون إذا قاموا “سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”, ماذا نقول ؟!

بعد الخاتمة .. ورد في الأثر : خلق الله الملائكة بعقل وبلا شهوة ، وخلق البهائم بشهوة بلا عقل ، وخلق البشر بعقل وشهوة , فإن طغى العقل على الشهوة كان اشرف من الملائكة ، وان طغت الشهوة على العقل كان كالأنعام .. بل هم اضل !

{ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد} | إستشعرها عند كل كتابة أوحديث .. نحن في الحقيقة نملي كلامنا على الملائكة ليكتبوها في صحفنا !

الكتب

نؤمن بالكتب السابقة من الإنجيل والتوراة والزبر وأن القرآن جاء خاتماً لها وناسخاً لها وأنه يتضمن خلاصة التعاليم الإلهية وإنزاله لهداية الناس (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا. وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) و وصف عز وجل التدبر بأنه سبب إنزال الكتاب: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)  والتدبر هو (أن تقودك معاني القرآن للخير) والتفسير هو (توضيح المعاني) والتفسير بلا تدبر كتعلم القيادة لمن لا مركبة يقودها !

ومن ألطف ما وصف الله عز جل به كتابه أنه (روح) : {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} فهو لهذه الأمة حياة !

الرسل

خلق الله البشر بتفاوت في الكمال .. فهذا كماله 30% والآخر 17% بل و -9% ! وخلق من بين البشر أناساً كاملين 100% سماهم (الرسل والأنبياء) ووزعهم على مدى العصور .. لماذا تتوقع ؟ من أراد الكمال فليقتدي بهم طبعاً ! وللقرآن أسلوبٌ بديع في الوعود الغير مباشرة .. فيأتي بقصص الأنبياء (الأنبياء آية83مثلاً) ويخبرنا بما يفعلون .. ثم يخبرنا بما أعطاهم من النتائج , فإذا أردنا نفس النتائج فلنعمل بعملهم, وهكذا الحال مع الكفار والظلمة !

اليوم الآخر

وما أدراك مالإيمان باليوم الآخر .. هل إستعدينا أو تخيلنا على الأقل : فتنة القبر و عذابه و نعيمه, و البعث و الحشر و الصحف و الحساب و الميزان و الحوض و الصراط و الشفاعة ..  والجنة و النار و ما أعد الله لأهلهما جميعا , وقد وصف الله من لا يؤمن بالدين {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم و لا يحض على طعام المسكين} فللإيمان بالدين واليوم الآخر خصوصاً أثر عظيم على السلوك {لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله}

فاصل في التدوينة : “نحن” وليس “هم “
في منظر جدُّ مهيب, وصورة تثير الفزع والهلع, تجثوا أمم الدنيا أمام خالقها في ذل رهيب, بل أقول “نجثوا” , نعم .. أنا وأنت يا من تتجول نظراتك بين أسطري وعمر وعبدالعزيز سنجثوا أمام علآم الغيوب , صدقوني ..أنا لا أتحدث هنا عن قصة خرافية ترويها الجدة قبل النوم, ولا أقتبس لكم من رواية بوليسية تطفح رعباً ! 

أنا أخبرك عنك, ستدنوا الشمس منا فلا يبقى بيننا وبينها إلآ مسافة ميل واحد, يتراكض العراة وآخر همهم أن ينظر أحدهم للآخر, نتسابق لحوض النبي فتقابلنا الملائكة وتطرد منا من تطرد ويصرخ الحبيب {أمتي أمتي} فيردون (لا تدري ما أحدثوا بعدك) أهوال وكُرب لن يدركها الكثير إلا بعد أن تطحنه طحناً !

س/كيف نفهم ومتى نعي؟ نقرأ عن كوآرث القيامة, ونرى علامات الساعة ومن حولنا يموتون الواحد تلو الآخر ونحن نقف في هذا الطابور الطويل , طابور الحياة المؤدي حتماً إلى الموت الذي “كان يجب” أن يكفينا واعظاً !

أخيراً : نقش عمر ابن الخطاب (المبشر بالجنة) على خاتمه “كفى بالموت واعظاً يا عمر”! س2/مالذي يكفينا واعظاً؟

قال إبراهيم السكران : يتصور البعض أن كثرة استحضار الآخرة حالة وعظية سطحية لاتليق بالمثقف .. برغم أن الله جعلها فخرا خالصا لأرقى البشرية {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}

من كَمُل إيمانه باليوم الآخر .. فسيقيس أعمال وأحداث الدنيا بموازين الآخر , شتان بين الميزانين !

القدر 

ظهر انحسار في سيل الإيمان بهذا الركن العظيم، الذي يرميه المنحرفون بكلّ الشبهات، فهنا الجبريّة والقدرية التي تسرّب سؤالهما التافه للكثير من المسلمين: (هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟) الذي تبدأ الإجابة عليه بأن تقول: السؤال خطأ أصلًا، فالإنسان مسيّر مخيّر، له مشيئة خاضعة لمشيئة الله (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)، فسؤالهم كمن يسأل (1+1 يساوي 1 أم 3؟) يبقيك حائرا بين خيارين خاطئين، سؤال تافه أشبعه لعلماء ردا بعشرات الكتب، بل وحتّى العلم التجريبي شارك في الردّ أيضًا، فمن يسأل هذا السؤال يستحقّ أن ترسل له كتابا/محاضرة عن الزّمن (مثلا خطبة اللغز لعدنان إبراهيم) ليعرف بأن سؤاله خاضع لتلاعب قبيح، وهي قياس حال الله العظيم على حال العبد الضعيف، وشتّان بين الخالق والمخلوق، والخلاصة هي أن الله منزّه وخارج عن الزمن، فالزّمن مخلوق نسبي له حدوده ويختلف من حال لآخر، -كما أكده الفيزيائيون كآينشتاين-.
وزعم البعض بأن الإيمان بهذا الركن له نتيجة سلبية على المؤمنين وهو سبب تواكلهم وانحطاطهم وترك العمل بحجّة أن كلّ شيء مقدّر، ويُردّ على هذه الشبهة من عدّة أوجه، أعجبها هو أن هناك شبهة أخرى تقول: “الإقدام الذي يحدث عند المسلمين في المعارك وحسّ المغامرة فيهم لدرجة عدم الرهبة من الموت سببه الإيمان بالقدر، فالمسلم يردد كلام الله يقول (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) و(أينما تكونوا يدرككم الموت) و(لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)” فالإيمان بالقدر أثره إيجابي كما ينصّ الحديث:(عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير فإن أصابه سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرا له) وقول الله (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).

وصلى الله وبارك على نبينا محمد ..

 
7 تعليقات

Posted by في 6 مايو 2012 in خواطر

 
ملاحظة


؟؟؟

قال دكتور الحاسب وإصبعه نحو رأسه “المعالج يقوم في الحاسب بنفس عمل العقل: المعالجة والتخزين” لم أقتنع حينها ولم أعترض, فكرت فوجدت -ولست أول من اكتشف ذلك- بأن تفسير عملية الفهم والتذكر والنسيان والإيمان ووالخ هي “الروابط الذهنية” !

نقوم بعمل إرتباطات ذهنية لما نتلقاه بحواسنا الخمس ومن خلالها تتشكل المشاعر, تستمر بالتشكل حتى نموت وتقل حتى تصل إلى العدم في بعض الحالات المرضية (الزهايمر) أو الشعورية (الفهاوة) ولا نكاد نمر بموقف إلا ونتذكر أمراً ما , قد يمر علينا منبه “بف باف” مثلاً فتتذكر الصراصير أو منظراً يذكرك بشخص أو كلمة ما بالضحك (مثلاً) وبالطبع فليس كل الروابط التي تتشكل في عقولنا صحيحة فبعضها تتأكد بمرور الوقت والبعض تُحذف, الشكل البسيط للإرتباط الواحد [حبل بين معنى وصورة], يقوم بعملية الربط (العقل الواعي) ويرسل الإرتباطات إلى (العقل الباطن) فنتصرف بناءً عليها , وقد يأتي إرتباط جديد يرتبط برابط سابق وهذا ما نسميه (معاني اللفظ) أو (المترادفات) وهما ضدان , حسناً : هل المشاعر أيضاً داخلة في عملية الربط ؟ نعم فهناك صور نربطها بالحزن وأخرى بالفرح , والمشاعر العميقة عبارة عن هرمونات في الجسم قد يسبب زيادتها أونقصانها خللاً في المشاعر (مثل تأثير هرمون اوكسيتوسين في حب المرضعة لطفلها أوسيروتونين للسعادة) ولكن بعض الأحداث تسبب زيادة إفراز الهرمون فتتغير المشاعر, أخيراً : القراءة والمحادثة عبارة عن عملية معقدة تتطلب جود آلآف الروابط الذهنية بين أشكال الأحرف وأصواتها وبالتالي معانيها التي نبني عليها أفعالنا وردود أفعالنا !

صورة لإرتباطات الخلايا العصبية

!!!

ولد فيصل بذهن كالدفتر الأبيض .. سطوره الفطرة, أول عملية يقوم بها -ليس الحب كما يزعم العشاق:)- بل بدأ بـ”الربط” بين ما يراه وما يسمعه ويشمه ويتحسسه ويتذوقه , بإختصار .. قام بعمل إرتباطات ذهنية لما يتلقاه بحواسه الخمس ومنها .. يربط صورة أمه بالقُرب والماء بالنظافة واللبس بالدفئ ؛ حين يغمغم سليمان “الجو البديع يسبب لي القلق” أو يرد عبدالإله على جملة صديقه “توصي شي؟” بعبارة “في أمان الله” أو يصاب ريان بالقشعريرة الشديدة لرؤيته منظرا مخلا في دولة أجنبية ! فإنهم يقعون تحت تأثير (الروابط الذهنية) فهي التي ربطت للأول بين الجو الجميل والإمتحانات المقلقة -في أيام دراسته- وللثاني بين العبارة وأني أودعك لأغلق المكالمة وللثالث بين المنظر المخل وعقوبات في الآخرة ! بالمناسبة : عمليات الربط تحتاج إلى تأكد من الربط كل فترة وهذا ما يزيد فرص إستذكارها ويقلل فرص النسيان ! وتصعب عمليات الربط مع الغيبيات وتسمى هذه الحالة (الإيمان) وهو أن تجزم وجود غيبيات لا ترى إلا آثارها !

الإستخدامات

صحيح بأن عملية الربط في مجملها تحدث تلقائياً, لكننا نستطيع إستعمالها .. لنجب أولاً على سؤال / ما العلاقة بين الفهم والحفظ والروابط الذهنية ؟ الجواب / الفهم هو (ربط الصور بأكثر من رابط) أما الحفظ فهو (تخزين عملية ربط) , وقد نحفظ مالا نفهم للتوضيح: حينما آتي بشرح للنظرية النسبية باللغة الهندية .. فهل سيفهمها من لا يجيد الهندية ؟ بالطبع لا لأنه لا يملك صور ومعاني للرموز التي يشاهدها, أختم بهذه العناوين ..

أسلوب الخريطة الذهنية :

أحد أبرز طرق إستخدام الروابط الذهنية , وهي وسيلة صياغة للأفكار وللمخططات والنصوص بإستخدام الرسوم والصور والألون والكتابة بدلاً  من الإقتصار على الكتابة وهي من طرق الحفظ والفهم وهذه التدوينة تشرحها http://www.awshaal.com/?p=145

مثال على الإرتباطات الذهنية (الخريطة الذهنية) !

مثال على الإرتباطات الذهنية (الخريطة الذهنية) لمشروع شخص مع القرآن

يتفاوت الناس في إستخدام روابطهم الذهنية :

بل إن الشخص تتفاوت عنده قوة الربط بين فترة وأخرى .. حتى إنه أثناء لحظات “الفهاوة” أو “السرحان” أو “التفكير في اللاشيء” فإن عملية الربط -التلقائية- تتوقف تقريباً

التربية :

إربط فيمن تربيهم علاقة بين الخير والجمال وبين الشر القبح حتى تستكرهها أنفسهم , مثل أن تحبب إليها الصلاة في طفولتهم بأن توفر الجو الملائم لها فترتبط الصلاة بشكل غير إرادي بالجمال حتى إنه التأثير يبقى بعد زوال المأثر , وفي نفس الوقت إربط الكلام الغير لائق بالقبح كأن تطلب من طفلك أن يغسل فمه بعد كل عبارة غيرلائقة أو تستخدمها في تفاصيل صغيرة ذات أثر كبير مثل أن تبتسم حينما تذهب للمسجد مع طفلك وتعامله بلطف فيربط الطفل الطف بالمكان وتكون قاسياً عند كل خطأ فيربط الخطأ بالشعور السلبي , ومع الوقت سيزول المُأثر (التعامل) ويبقى ربط الفعل أو المكان بالمشاعر !

مراعاة الخبرات :

فلا يصح أن تأتي بشخص لا يعرف أركان الإسلام فتشرح له نصاً من كتاب (زاد المستقنع) حول أحكام ترتيب وتخيير الكفارات أو تشرح لطلابك نظرية فيثاغورس ولم يسمعوا بزوايا المثلثات, وهذا ما يجب أن يدركه كل واعظ ومعلم مدرب, إنزل إلى لغتهم وخبراتهم !

النسيان :

النسيان هو فقدان الروابط مع صورة ما, قد ننساها بشكل كلي إذا غابت كل الروابط بسبب عدم التذكر , وإذا أردنا حفظ أمر ما زدنا عدد الروابط معه (الخرائطة الذهنية مثلاً) وتكون زيادة الروابط عبر إشراك أكبر كم من الحواس مثل : قرآءة النص , المراجعة , شرحه , كتابته , سماعه , رؤيته , إبداء المشاعر تجاهه

للعقل أقفال .. مفاتيحها روابط , فأحسن إستعمالها

للعقل أقفال .. مفاتيحها روابط , فأحسن إستعمالها

كن إيجابياً :

خذ كل الظروف والأمور بعبارة (بل هو خير) فبالتالي تربط الظروف المحيطة لك بروابط إيجابية تفيدك إذا أصابك غضب أو أي شعور سلبي يوماً ماً, فإذا استحضر الذهن أمراً مرتبطاً بالسعادة سيسعد, فحين تحيط نفسك بالإيجابية ستغلب السلبية حتماً -وهذا مالهم يتنبه إليه سليمان حينما كان قلقاً من الإختبارات التي ربطت بجو تلك الأيام-

ليس كل صورة حقيقة :

وهذه قاعدة خطيرة جداً .. ربما نشكل في أذهاننا تصورات عن أشخاص أو بلدان وتكن مخالفة تماماً للواقع, وسبب الربط إما كلام سمعته أو تصور بنيته على عاطفة ما , وهذه القاعدة تذكرنا بأهمية التأكد قبل الربط !

التعريفات :

جل ما يحصل الآن من إختلافات بين الأشخاص والتيارات هو بسبب عمليات الربط , مثلاً : هذا الطرف يربط الدين بكل الغلظة والتعسير ويقطع الروابط بين الدين والتيسير واللين والآخر يفعل العكس فكل منهما يفهم الدين بطريقته, سبب آخر غير إختلاف التعريفات هو فهم كلام الآخرين .. فحينما يتحدث أحدهم في وصف مشهد ما أمام شخصين فإن ربط المشهد عندهم بالأسباب النتائج يختلف وتحكمها الهموم والهمة

التركيز :

حينما نقول “التركيز” فنحن لا نعني بالضرورة أن تحدق بعينيك إلى منظر ما (وهذي من صور التركيز) وصورة أخرى : التركيز بالذهن على موقف سابق فتقوم بعملية جذب الروابط الصورة بل والشعورية -وهنا الخطر- (كل رابطة تسحب أختها) حتى تأتي في العقل الواعي أو التركيز حالة شعورية ما وهذا خطير أيضاً , فنحن إذا ركزنا على الحزن مثلاً فإن كل الروابط المتعلقة بالحزم من ماقف ومشاعر تستدعى إلى العقل الواعي ونشعر بالتالي بالحزن !

الهموم والهمة :

“الهموم” هي عمليات الربط المتواجدة في العقل الواعي فتشغل الشخص وتشعره بأنها أهم ما في الحياة الآن ويتخلص منها بالإشتغال بما هو أهم منها , أما”الهمة” فهي أقصى الروابط في الطول وتدخل حيز المستقبل وبطول روابط همتك وشدتها تتأثر همومك وبالتالي تفسيرك للأشياء والأحداث

الروابط الشاغرة :

وهذه من التطبيقات الجميلة لقاعدة الروابط الذهنية .. إذا تشكلت رابطة ذهنية ولم نرسلها إلى العقل الباطن وأبقيناها في العقل الواعي فإنها ستسعى لجذب روابط أخرى إليها , ما الفائدة ؟ وائل قرر أن يختم القرآن بتدبر وكان يريد إستخراج الوعد في القرآن -مثل {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}و{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}- فكلما مر باحدة إشتغل المنبه في رأسه -إن صح التعبير- أما محمد فكان يبحث عن “حديث الله عن صفاته في القرآن” وكان يجدها كلما مر على أحدها !

“من عرفك صغير.. حقرك كبير”

قرابة 70% من الصورة الذهنية (شبكة الإرتباطات الذهنية) عن أي شخص تتشكل في اللقاء الأول, والتغيير بعد ذلك صعب, لأنك ارتبطت بمئآت وربما آلاف الأشياء والمشاعر والكلمات, فالتخلص من هذه القيود أو تغييرها لترتبط بأشياء ومشاعر وكلمات أخرى تحتاج لوقت, ومن الأساليب الشهيرة لتغيير الصورة الذهنية هي الإعتذار: انسحاب عن الإرتباط بأمور لم تعد تود الظهور مرتبطاً بها!؛ والتوبة: قطع الإرتباط بأمور لم تعد ترغب بالإرتباط بها, فحين تتوب عن معصية ما فإنك تندم عليها رغم أنك كنت تتلذذ بها, وهذه المصادمة بين الروابط تجعل الرابطة الأضعف تتكسر أمام الأقوى !

تراكم المشاعر المتراكمة :

عامة الناس, ينغمسون في الكآبة كل ما كبروا أكثر, حتى تبدوا حياته شريطاً متناقص السعادة من طفولته وقد ولد بسعادة كاملة وحتى وفاته بنسبة سعادة 1% أو حتى 0%.. من أسباب ذلك تراكم الإرتباط بالمشاعر السلبية وكل رابطة سلبية تجذب رابط سلبية أخرى, ما أريد أن أقوله: لا يوجد مكتئبٌ من الداخل.. لكن يوجد من يرى كل شيء كئيباً فيكتئب, وحين تتراكم هذه الروابط السلبية تعمي البصيرة عن كل خير, وحينها ستُطرح الإنتحار كخيار منطقي للتخلص من هذه التراكمات دفعة واحدة, بينما الحل هو في تفكيك هذه الروابط وحلها واحدة واحدة, أو التوبة ومغادرة الجو الكئيب بيئياً واجتماعياً وعمرانياً تماماً !

[ الروابط لا تورث لكنها تخضع للتقاليد ]

أخيراً : كل التشبيهات والأمثال والإسقاطات هي عمليات ربط ذهنية !

الإرتباطات الذهنية

 
تعليق واحد

Posted by في 5 مايو 2012 in خربشات

 
 
%d مدونون معجبون بهذه: